الفراغ هو مادة صماء لا شكل لها بعد، وهي كينونة قابلة لأن تتشكل. والفراغ مادة غير منظمة لا نعرفها، والعدم الذي يقصده العلم = لا مكان، ولا زمان، ولا مادة؛ لكن هذا ليس موجودا بشكل حقيقي في الكون.

إن ما نراه فراغ يمكن التحرك فيه، ويمكن قياسه أحيانا، ويمكن ملؤه، ويمكن أن يكون له شكل مرئي أو يلتف حوله الضوء أو الجاذبية، وهذا وحده دليل على أنه مخلوق. أما صفات العدم فهي عكس هذا تماما، فهو لا يمكن قياسه أو إدراكه أو حتى وجوده؛ لأنه (عدم) والعدم في اللغة = خلاف الوجود.

وهذا يكشف لنا أن العدم غير موجود في محيط ادراكنا الفعلي، ويثبت أن ما يمكن استيعابه حقا هو الفراغ. والفراغ مادة رقيقة جدا قابلة للامتلاء، وقابلة لمرور الضوء، ويمكن أن تتأثر بالجاذبية. وهنا نستوعب شيء مهم وهو أن ما نبنيه أو ما نفكر فيه لا يدور في العدم، بل يمكن أن ننظر للخلفية الفارغة على أنها جزء من النظام، والمساحة التي نبني فيها ليست صفر مطلق؛ لأنها تحتوي على فراغ وليس عدما.

وهذا يخرجنا من التعريف الفلسفي إلى التعريف الحقيقي والواقعي، فيكون الفراغ هو الفضاء الأول الذي خُلق ليُملأ، وله قانون وله خصائص تسبق البنية ولا تشبهها، وهنا يمكن أن نقول أن الفراغ ليس نفيا للوجود، بل هو كائن بلا شكل معروف، مخلوق ليحتوي ما يأتي بعده. أي أنه مادة خفية تُمثل النسيج الأولي الذي يُبنى عليها كل شيء، لكنها مجهولة التفاصيل؛ لأنها خارج حدود إدراكنا، وخالية من الأشياء التي نعرفها.

والظل هو أحد الأدلة على أن الفراغ مخلوق؛ لأنه ليس مجرد انعدام الضوء، بل هو في أصله مخلوق والشمس دليل على وجوده. وقد قال الله تعالى في سورة الفرقان أية 45 [أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا] وقد قال ابن كثير: من هاهنا شرع تعالى في بيان الأدلة الدالة على وجوده، وقدرته التامة على خلق الأشياء المختلفة والمتضادة.

وهنا يمكننا فهم الأية لغويا، فنعرف أن الظل يمتد كما في قوله [كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ] وهذا دليل على أن الظل له طول وعرض واستمرار ووجود، أي أنه مخلوق بدقة، وممتد بقوانين إلهية. ثم قال الله [وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا] وهذا يبين لنا أن الظل يمكن أن يكون له حالات أُخرى مثل السكون وعدم التغير، ثم جعل الله الشمس عليه دليلا كما في قوله [ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا] وهنا يكمن المفتاح، حيث أن الشمس لم تخلق الظل بل دلت عليه، أي أن الظل موجود والشمس تكشفه.

وهذا هو معنى الفراغ الذي نبحث عنه، حيث أنه موجود لكن لا يُرى إلا بحدوث شيء آخر عليه مثل الظل تماما. حيث أن الظل موجود قبل أن نراه، لكننا لا نراه إلا عندما يمر عليه الضوء ويكشف حدوده ويُظهر امتداده. وهذا يوضح لنا أن الفراغ مخلوق ذو كينونة خفية قابلة للامتلاء، وله طول وامتداد؛ لكنه بلا كتلة قابلة للقياس، ويمكن ادراك خصائصه بحسب ما يمر فيه.

إن الفراغ ليس عدما بمعنى “لا وجود”، بل امتداد يُثبَت بمؤثر خارجي يكشفه. أي أنه ليس نقطة، بل حالة موجودة وحاضرة، فيكون الامتلاء بتفاعل الحالة مع المؤثر.

عناوين عشوائية

نحو السماء

يكتبون عن اللمعان والنجاح وأكتب عن اليأس والكفاح، عن الذين وجدوا أنفسهم عكس الرياح ولم يقرروا إلا الاستمرار والسعي باتجاه النور، عن الذين لم تنصفهم الحياة ولم تحالفهم الفرص فلم يلجؤوا للانبطاح هروبا من التحديات. عن الصام

اقرأ المقال >>

وطني يكشف الحقيقة

بعض الأوطان لا تستفز خصومها بالقوة العسكرية وحدها. بل تستفزهم لأنها تثبت أن الاستقرار والبناء، والكرامة الإنسانية ممكنة فعلا. وهذا ما يُعري بعض النماذج أمام نموذج وطني، ويجعل الحقيقة مثل عين الشمس، ويكشف لهم فشلهم الذريع

اقرأ المقال >>
:Share the Post