قراءة في عدوان النظام الإيراني على العرب

الفُرس تاريخيا ليسوا النظام الإيراني الحالي. الفُرس أُمة وحضارة ولغة وثقافة، ودخل منهم في الإسلام رجال عظام، ومنهم علماء كبار خدموا القرآن والحديث والفقه واللغة وغيرها من العلوم المتعددة. أما النظام الإيراني الحالي فهو بنية سياسية أيديولوجية حديثة، تقوم على تركيز السلطة الدينية والسياسية في يد “الولي الفقيه”، ومؤسسات رقابية غير منتخبة مثل مجلس صيانة الدستور، والذي بدوره يملك سلطة فحص المرشحين ورفض القوانين. وهذا النظام يوظف الدين لتقديس السلطة، ويحول السياسة إلى طاعة شبه مطلقة، ويقمع شعبه باسم الإسلام، والإسلام براءٌ من هذا التوظيف.

وأنا هنا لا أهاجم شعباً، ولا عرقاً، ولا حضارة؛ بل أكشف نظاما سياسيا عدوانيا يستعمل الدين ستاراً، ويستهدف أمن العرب، ويشوه معنى الإسلام، ويقمع شعبه قبل أن يعتدي على غيره. أي أنه يتصرف بمنطق اللامنطق، وهو المنطق المعزول عن سنن الدول الطبيعية؛ إذ أنه يرى الشعوب ساحات نفوذ، والدين أداة تعبئة، والسياسة مجالا للهيمنة لا لخدمة الإنسان.

وفي السنة النبوية ورد ذكر الفرس في حديث رواه أبو هريرة، وأخرجه البخاري في صحيحه:

كُنَّا جُلوسًا عِندَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأُنزِلَت عليه سورةُ الجُمُعةِ: {وآخَرينَ مِنهُم لَمَّا يَلحَقوا بهِم} [الجمعة: 3]، قال: قُلتُ: مَن هُم يا رَسولَ اللهِ؟ فلَم يُراجِعْه حتَّى سَألَ ثَلاثًا، وفينا سَلمانُ الفارِسيُّ، وضَعَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَدَه على سَلمانَ، ثُمَّ قال: لو كان الإيمانُ عِندَ الثُّرَيَّا لَنالَه رِجالٌ -أو رَجُلٌ- مِن هؤلاء.

وذكر مسلم في صحيحه: لَو كانَ الدِّينُ عِندَ الثُّرَيَّا لَذَهَبَ به رَجُلٌ مِن فارِسَ، أو قال: مِن أبناءِ فارِسَ، حتَّى يَتَناولَه.

وهذا مدح واضح يدل على قوة الفهم، والقدرة على طلب العلم، وبلوغ مراتب عالية في الإيمان. والحقيقة المتوازنة هنا هي أن الفرس أمة عريقة ذات حضارة قوية، والإسلام لا يحكم على الشعوب ككل بالذم أو المدح، لأن الميزان في الإسلام هو الإيمان والعمل، لا العرق والأصل.

ونحن هنا لا نخلط بين الفرس، والإيرانيين، والنظام الإيراني كمنظومة حكم. والشعب الإيراني اليوم فيه مسلمون حقيقيون، ومظلومون، وأحرار، ومثقفون. وأما النظام الإيراني فهو نظام قمعي يستتر بالدين، ويحول الإسلام من هداية وعدل إلى أداة سلطة وخوف، وتقديس للبشر.

إن المشكلة ليست فقط في الصواريخ والمسيرات أو الميليشيات، بل في الفكرة الخطرة التي يعيد رسمها النظام داخل سجنه الكبير، والتي تجعل السلطة فوق الإنسان، لأنه لا يكتفي بالحكم السياسي، بل يجعل القرار السياسي كأنه أمر مقدس، ويصنع ما يمكن أن نسميه “ألوهية سياسية”. فهو يطلب من الناس الخضوع باستخدام مفردات الدين. ليس باعتباره إدارة دولة، بل باعتباره وصاية على الدين والحق والحقيقة، كأنه واجب تعبدي. وهذا ليس من روح الإسلام؛ لأن الإسلام لا يقدس البشر بأي شكل من الأشكال.

أقف هنا ضد نظام اختطف الدين ليحوله إلى سلطة، ويحاول اختطاف السياسة؛ لكي يحولها إلى وصاية. ثم مد يده المثقلة بالظلم والغدر إلى أوطاننا لا كجار يريد السلام، بل كمشروع يريد النفوذ والاختراق. أكتب دفاعا عن وطني، لأن الصمت أمام العدوان ليس حكمة دائما، ولأن الكلمة حين تقال بصدق وعدل قد تكون جدارا في وجه التضليل.

نحن لا نحتاج إلى كراهية الشعوب كي ندافع عن وطننا. نحن نفرق بوعي بين الإنسان والنظام، وبين الدين وتوظيف الدين، ونقدّر معنى الجوار ونعرف جيدا معنى الاختراق، ونستطيع استشعاره حتى لو كان مخفيا. والأهم أننا نفرّق بين معنى المقاومة الحقيقية، ومشاريع الفوضى التي يصدرها من مد يد الغدر.

وطني ليس ساحة لأوهام غيره، وليس رهينا لمن يرفع شعار الإسلام وهو يطعن الأمن، ويقمع الإنسان، ويزرع الشوك والخوف والغدر حيثما امتد أثره. فنحن شعوب الإسلام حين ندافع عن أوطاننا، لا نفعل ذلك بدافع الكراهية، بل بعقيدة واضحة، وبمعنى واضح للحياة، ومعنى واضح للموت أيضا، ولهذا نملك، بإذن الله، ثباتا لا تهزه الظروف.

مقالات قريبة

وطني يكشف الحقيقة

بعض الأوطان لا تستفز خصومها بالقوة العسكرية وحدها. بل تستفزهم لأنها تثبت أن الاستقرار والبناء، والكرامة الإنسانية ممكنة فعلا. وهذا ما يُعري بعض النماذج أمام نموذج وطني، ويجعل الحقيقة مثل عين الشمس، ويكشف لهم فشلهم الذريع

اقرأ المقال >>
:Share the Post