أعيش مع هاجس مختلف منذ سنوات، وأعمل بصمت على بث الروح في الفكرة وجعلها شيء ملموس؛ لكن الواقع لا يحتمل المختلف، صدمة تجعلني أتوقف وأسأل: لماذا يطلب الواقع مني النسخ والتكرار واستخدام قوالب جاهزة؟ هل البنية الحالية غير مستعدة للقفزة التي أسعى لتحقيقها؟

الحقيقة أن الواقع لا يعترف بك إلا إذا كنت امتداد لما سبقك فقط، أما البناء الجديد فقد يحتاج أن تعمل خارج السرب لأن الجديد والجريء الذي يلمس نقطة ضبابية غير مألوفة يعتبر افتراضيا غير مرغوب. وهذا شعور يكون عندي شعور آخر وسؤال وجودي صعب تفسيره: هل العلوم أصبحت أدوات تلقين؟ وهل الإنسان نفسه أصبح آلة نسخ مجردة من المعنى؟

أسئلة كثيرة لا تملك إجابة شافية ولا فكرة واضحة؛ لكن مع هذا هناك في داخلي معادلة أو ربما بنية كاملة تتجاوز الفكر البشري سنوات لكن حكم عليها بالموت وهي في المهد، بنية غير مستعدة للتطبيق، وأدوات محصورة في قفص قوالب جاهزة.

أنا أكتب لا لأبحث عن بحث ينشر في مجلة، ولا عن اعتراف أكاديمي متمثل في ورقة مختومة بل أبحث عن معنى، أو بالأصح عن اختراع يدخل في حياة الناس بدون إذن منهم.

نحن نعيش في زمن يتحدث عن الذكاء الاصطناعي كاختراع ثوري، لكن الفرد نفسه لم يعد يشعر أنه جزء من هذا التغيير والتطور. الآلة تتطور بشكل غير مسبوق والشركات تسيطر، والأفراد؟ يستهلكون ويكررون، وهذا يولد فراغ داخلي غير ملموس بعمق في الوقت الحالي، وفي المستقبل مجتمع خالي من الإبداع مبني على الاتكالية والاعتماد الكلي على الآلة في التفكير.

المفارقة التي تحتاج منا وقفة أن التكنولوجيا في أعلى مراحلها وهذا أمر جيد، لكن الإبداع الفردي في أدنى حضوره ومستوياته وهذا أمر سيء للغاية.

أنا لا أكتب هذا من فراغ أو من خيال مؤلف يرى العالم بين ورقة وقلم، بل أكتب لأشرح المعنى الحقيقي لأن تكون محصور ومختلف في زمن التشابه والنسخ.

لماذا لا نبدأ من جديد؟ نطوع التقنية لنقف على العتبة الأخيرة ونبني الجسر للمنطقة التالية “عصر علمي جديد” وهذا لا يتمثل في مجرد جهاز جديد أو برنامج آخر، بل شيئًا يشكل مرحلة جديدة كليا مثلما فعل “المقاوم الناقل” في القرن الماضي أو الإنترنت في بداياته، شيء يجعل الإنسان يشعر أن هناك معنى جديدًا للحياة الرقمية، لا مجرد تكرار للأدوات الموجودة.

العائق الحقيقي ليس نقص الإرادة، فأنا مستعد أن أبذل حياتي في سبيل هذه الفكرة، بل العائق الحقيقي هو المحيط نفسه المتشكل على هيئة نظام علمي لا يعترف إلا بالمنشور الأكاديمي، أو نظام اقتصادي لا يسمح إلا بما يمكن بيعه، أو يمكن أن يكون نظام اجتماعي يبارك القوي ويقصي الفرد. ندائي الأخير هنا لأؤكد أني لا أبحث عن تمويل، ولا عن منصب، ولا عن لقب. أبحث عن طريقة أجعل بها فكرتي تتغلغل في الواقع حتى تُثبت نفسها. لا أريد أن أبقى مجرد “مفكر فاشل” ولا أن تموت فكرتي معي.

سؤالي الذي أضعه أمام الجميع: هل يمكن أن يولد اختراع جديد في زمنٍ يقتل المختلف، ويحوّل الإنسان إلى أداة نسخ؟ أم أن الطريق الوحيد هو أن نصنع المعنى بصمت، حتى يجد الناس أنفسهم أمام واقع لم يختاروه لكنه فرض نفسه؟

عتبة الخروج من: محاولة لتوليد وعي رقمي حي- من الفكرة إلى حدود الروح.

مر ب: ثورة الذكاء البشري

استمرار حوار: حوار مع نفسي التي لم تعد كما كانت