من أنا؟ سؤال أجبت عليه مئات المرات خلال سنوات؛ لأكتشف في نهاية المطاف أني لا أعرفني، والأحلام التي اعتقدت يوما أني أستحقها تبخرت وأصبحت في مهب الريح.

لم أتخيل يوما أن أشارك الفشل الذريع؛ لأصنع منه شيئا يشبهني، حتى لو كان مجرد سطر أكتبه وأنا ارتجف. ويبقى السؤال عالقا: كيف لقلمي الصمود في وجه متغيرات الحياة لسنوات؟ ربما الشغف كنت أكتب بدافعه، ثم الأمل، لكن في هذه السطور بدافع الغرق، لا لأطلب النجدة بل لأوثق كيف يبدو الإنسان حين يفقد صوته، وكيف يشعر نفس الإنسان حينما يقف على رماد أطلال ما كان يؤمن به، لأجد أني لوحة غير مكتملة يرسمها فنان متردد لا يعترف بالمنطق؛ لكنني حي، وأشعر، وأراقب ما يحدث بداخلي، وهذه البداية وحدها كافية لأكمل.

ليست هذه السطور رواية نجاح أو كتابة من فوق هرم الإنجاز بل هذه السطور تُكتب من قاع التجربة، لتشرح الجزء الغير مستقر مني، وتدهشني بكونها أكثر صدقا من كل ما سبق، وتأخذني إلى حافة الحياة؛ لتسألني هل تكون أو لا؟

ومازلت أكتب من مكان داخلي مهجور يريد أن يحيى، ويريد القلم أن يُسمع صوته الخافت الذي يحكي كل شيء، أما الورق فقد حان له أن يتنازل عن دوره في الاستماع ويبدأ بالكلام؛ ليسرد لنا ما عجز اللسان عن وصفه.

ربما لا أحتاج لأعود لتلك الأنا التي أعرفها، سأكتب لا لأستعيديني بل لأبنيني من جديد، ليس على ما ضاع بل على ما تعلمت.

تحية خافته للنسخة التي تحاول أن تكون.

هذا حوار لم ينته، لكنه بدأ للتو.

كُتب بعد صمت طويل، ليرسم تفاصيل جديدة.