لا يمكننا اختصار الوطن في سطور أو وصف جماله بكلمات، واختلافات التعبير حوله تأخذنا إلى الإيقان بأن الوطن شعور يجعلنا نرى ما لا يراه الراؤون، ونعرف عنه مالا يعرفه العارفون؛ ليصبح مفهوم الوطن أسما من كونه رقعة جغرافية محدودة يطلق عليها اسم معين.

يأخذ الوطن حيزه فينا؛ ليجسد الذاكرة الأبدية الموصولة بمراحل بداية اكتشاف الحياة، ليتحول إلى زمن وأحداث وأشخاص يرسمون لنا تفاصيل دقيقة حول الأرض والسماء، حتى يتشكل فينا ولاء يأخذنا إلى وضع الوطن في المقام الأول فوق مصالحنا وأولوياتنا. ولاء يخالطه حب يربطنا في هذه الأرض يجعلنا نأبى أن يكون لها بديل.

ومفهوم حب الوطن هو العقل المتمثل في الوطنية الناضجة التي تأخذنا للإخلاص والحفاظ على موارده والذود عنه، ويعتبر ما ذكرته ردة فعل إنسانية طبيعية وكثيرا ما تكون لا إرادية للحفاظ على ديمومة الذاكرة.

هناك في منطقة الصفر من يعرض نفسه لخطر الرصاص، ومن يموت لتحيى الأوطان وتبقى خالدة، وهذا ما سمعنا وقرأنا عبر أحداث التاريخ، لم تنتصر أمريكا في الحرب العالمية الثانية ضد اليابان إلا بتضحيات مواطنيها التي ساهمت في المحافظة على ذاكرة أمريكا.

لم يكن الدفاع عن الوطن حكرا على حمل السلاح وجَوب الميادين فقط، ولك أن تقرأ عن الضابط الأمريكي “ديسموند دوس” الذي شارك في الحرب العالمية الثانية من غير سلاح. ونستشف من هذا أن سلاح الذخيرة ماهو إلا جزء من عملية الدفاع وأن حماية الوطن مسؤولية الجميع من كتاب و مهندسين ومدراء ووزراء وجميع الوظائف الأخرى من خلال تأدية الواجب الوطني الوظيفي بإخلاص؛ ليسلم الوطن من كل الأخطار ويبقى عزيزا وشامخا وعظيما ولا يهتز فيه ركن.

ولك ياوطني أن أكون أحد جنودك الأوفياء، وأن أكرس قلمي وموهبتي في حمايتك ورفعتك، فلا حاجة لقلمي إن لم يكتب لأجلك.

يقول محمود درويش “ماهو الوطن؟ ليس سؤال تجيب عنه وتمضي”. الوطن هو أول شهيق دخل إلى رئتيك. علاقتنا بالوطن ليست إجابة على سؤال ولا تعريف على ورقة. إجابة السؤال تكمن في الجهة اليسرى من الصدر حيث الذاكرة الأبدية.

بداية لـ: هكذا تُبنى الحضارات

حاوي لـ: إلى مسقط رأسي