يعيد الزمن الجميل نفسه بين سطوري ويسافر بي قلمي؛ ليبقيني في الهُنا جسدا ويرجعني روحا وعقلا إلى هناك، حيث كانت البيوت قصورا بأهلها.
إن لمسقط الرأس عادةً مكانة خاصة عن سائر الأماكن، فهو قريب من القلب حتى وإن كان بعيدا، جميل في العيون حتى وإن كان مقفرا ومهجورا. نحِن إليه بين الحين والآخر، فمنه إنطلقنا وبالفكر نعود حتى وإن لم يتسنى لنا العودة إليه جسدا.
أكتب رسالتي إلى ذاك المكان في غير الزمان والمكان رغم أن الأماكن لا تَقرأ، أخاطب المساكن رغم أن الجدران لا ترد إلا بالتشقق والسقوط . أكتب إلى أولئك الذين استوحش المكان من بعدهم، وإلى الذين ابتعدوا عن مسقط رأسهم لأنه مطلب للعيش، وإلى الذين سقطت الجدران من الوحدة بعد رحيلهم، وإلى الذين مازالوا بأرواحهم هناك. أكتب إليهم لأنني منهم وأنثر مشاعري لكي تصلهم.
الأرض تحزن من فراق أناسها، تودعهم واحدا تلو الآخر بصمت، يسمع صمتها الراحل وتخاطب مشاعره، وتأبى توديعه رجاءً في عودته. نعانق بمشاعرنا بينما نسير مبتعدين عن الأرض ويبقى عناق المشاعر لا ينفصل؛ ليبقينا روحا.
إلى الذين كانوا يوما جيرانا، إلى هؤلاء الذين كانوا لنا حسن الجوار، إليهم أينما كانوا على هذه الأرض، أدون لهم آملا أن يقرأوا؛ لأخبرهم أنهم جسدوا معنى “الجار للجار”، والآن قد حال دوننا الإبحار؛ لنصل إليهم، فاكتفيت بالكتابة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير الأصحاب عند الله خيركم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيركم لجاره. وأنتم كنتم لنا خير الجيران والأصحاب، فلا شر منكم أتانا ولا فرح تناسانا، صحبتكم كنز وطيبكم خصلة، قربكم سعادة والبعد كان مطلب للحياة. قال الإمام الشافعي “سافر تجد عوضا عمّن تفارقه” وسافرنا ولم نجد عوضا يجاورنا كجيرتكم، وبقيتكم في القلوب المتعطشة للوصل.
أفتح نافذة الذاكرة المطلة على مسقط رأسي، كل شيء خلفها يستفز قلمي للكتابة إلى تلك الأوقات وتدوين الصداقات العابرة والباقية، والمشكلات اللذيذة ابتداء من طابور الصباح والإذاعة المدرسية مرورا بالطرقات والأسواق.
إلى مدرسينا الأعزاء الذين شغلوا حيزا من الذاكرة أكتب لعلهم يوما يقرأون هذه السطور؛ ليصلهم شكري مع التقدير والاحترام يحمل معه عذري، فرغم شقاوتنا صبرتم ومنكم تعلمنا، أثركم فينا باقٍ وأنتم في الذاكرة محفوظون - رحم الله من فارق الحياة منكم -.
يُجسد الحنين الدائم رسالتي إلى مسقط رأسي (جزيرة دلما)، أما أنت إلى أي بقعة على الأرض تقرأ وتوجه هذه الرسالة؟
جزء من: الوطن الذاكرة الأبدية