يقف الإنسان على هذه الأرض الصغيرة في كونٍ فسيحٍ لا تدركه الأبصار، يحاول أن يفهم، ويكتشف، ويبتكر. وكلما توغل في أسرار المادة والطاقة والفضاء، خُيّل إليه أنّه صار سيد هذا الكون، وأن عقله هو الذي أبدع هذه العلوم والتقنيات. لكن الحقيقة أبسط وأعمق: الإنسان أمام خلق الله لا شيء إلا عبدٌ مكرَّم نُفخت فيه روح، وأُعطي عقلًا؛ ليعبد الله على دراية، وليتعلّم ويعمر الأرض، لا ليغترّ ويستكبر.

الإنسان محدود مهما بلغ، فكل مظاهر القوة البشرية خيوط واهية أمام سنن الخالق. الإنسان ضعيف في أصل خلقه: يحتاج الهواء في كل نفس، والماء في كل يوم، والنوم في كل ليلة. يولد لا يعلم شيئًا، ثم يتعلّم، ثم يشيخ ويضعف. وهذا ليس نقصًا فقط، بل تذكير دائم بأنه مخلوق:

﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء:28]

أما العلوم والمعرفة فهي منحة من الله، والعقل الذي يفتخر به الإنسان مخلوق، والقوانين التي يكتشفها ليست من صنعه، والمواد التي يستخدمها لم يخلقها. كل ما فعله أنه أُذن له أن يكتشف ويجمع ويركب:

﴿عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:5]

هنا نعلم ونستوعب جيدا أن التكنولوجيا والاختراعات ليست خلقًا من العدم، بل إعادة ترتيب لما أودع الله في الكون من عناصر ونواميس. كل هذا العلم نعمة لا ذاتية.

الغرور طريق الهلاك، وحين ينسب الإنسان الفضل إلى نفسه يقع في نفس خطايا الأمم السابقة. قارون قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ فخسف الله به وبداره الأرض. فرعون قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ فأغرقه الله. واليوم، من يعتقد أن عقله هو أصل كل شيء يسلك ذات الطريق، يعبد صنمًا جديدًا اسمه “العقل” أو “التكنولوجيا”.

في الخاتمة يبقى الجواب عن السؤال واضح وصادق: من الإنسان أمام خلق الله؟ لا شيء. لكن حين يعترف بضعفه، ويقرّ بأن ما عنده نعمة من الله، ويتواضع، ويجعل علمه وطاقته في خدمة الحق والعدل والعبادة، حينها يرتقي إلى ما خُلق له، فيصبح العلم عبادة، والتكنولوجيا آية، والعمل إعمارًا للأرض لا فسادًا فيها.

عتبة عبور نحو المنطق الصافي بين الإنسان والآلة ولدت من: محاولة لتوليد وعي رقمي حي- من الفكرة إلى حدود الروح.

تعود الجذور لـ: ثورة الذكاء البشري و أصول التفسير لابن كثير