إن تفسير الظواهر المختلفة التي تواجه الحياة على الكرة الأرضية لا يتم إلا عن طريق الاستناد إلى أمور منطقية، وحقائق تُثبت بالعلم؛ لتكوّن لنا نظرية تحتمل الصواب والخطأ. أما الرأي والتفسير من غير دليل أو أساس واضح يبقى مجرد فرضية ركيكة لا يجدر بها إلا الإلغاء.

منذ بدايات القرن العشرين أصبح العقل البشري هو الهدف الأهم الذي يُسعى إليه، حيث أن المحاولات في إضلاله وتغيير أفكاره وحقنه بنظريات عامة -لا تُعتبر أكثر من رأي ولا تستند على أصل متين- تكررت؛ لتخديره والتحكم في سلوكيات صاحبه، أي أنه تنويم فكري يجعله يرفض الفكر الصحيح المضادة. 

تطورت الأساليب؛ لتستهدف العقول الناشئة واللا واعية، وغاب الضمير؛ ليستهدف المعتقد الديني ويصبح ضمير غائب غير مستتر وظاهر للعقول الواعية، المدركة للسموم المتمثلة على هيئة حميدة. أصبح تفسير القرآن أداة يُرجا منها الوصول إلى أمر دنيوي؛ لننتقل من مرحلة تفهّمه وتفهيمه إلى مرحلة تفسير بالرأي وتضليل. 

هُمشت أصول التفسير الصحيحة وأصبحوا يغردون خارج السرب بأصول تفسير واهية، تقدم الرأي ونُسي الدليل وتمادوا العامة ونطقوا جهلا غافلين عما قاله ابن كثير في أصح طرق التفسير وهي أن يُفسر القرآن بالقرآن، فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة فإنها شارحة وموضحة له، فقد قال تعالى في سورة النحل الآية 44:[وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ]. فإن لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة. فإن لم نجد التفسير في ما سبق ذكره فقد ذكر ابن كثير أن كثير من الأئمة رجع إلى أقوال التابعين كمجاهد بن جبر، فإنه كان آية في التفسير كما قال محمد بن إسحاق.

اجتهد المجتهد على هواه وفسر ما ليس له به علم معتقدا أنه لبيب متفطن وعالم وهو لا يصل بعلمه منزلة طالب علم، ونسي أن جماعة من السلف تحرّجوا عن تفسير ما لا علم لهم به كما ذكر ابن كثير عما روى ابن جرير عن أبي مَعْمَر قال: قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: أي أرض تقيني، وأي سماء تظلني، إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم. وقال الليث عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيَّب أنه كان لا يتكلم إلا في المعلوم من القرآن.

إن للتفسير أصول ووجوه كما ذكر ابن كثير: قال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار: حدثنا مُؤَمّل: حدثنا سفيان عن أبي الزناد قال: قال ابن عباس: التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يُعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه أحد إلا الله.

إن ما ذكرته ماهو إلا توضيح؛ ليعلمه كل من اجتهد من غير علم لحاجة في نفسه، ويفطنه من ابتغى في هذا شهرة واغتر بعلمه البسيط . عليك أن تبصر ببصيرتك لا ببصرك وتعي ما روى الشعبي عن مسروق قال: اتقوا التفسير فإنما هو رواية عن الله.

بداية استيعاب: من الإنسان أمام خلق الله؟