مرت البشرية بعدد من المراحل حتى وصلنا إلى ما نحن عليه الآن، لكن هناك فقرة مفقودة من التاريخ، طُمست تدريجيا واستُبدلت وأبدلت فكرة الإنسان المعاصر تجاهها.

تبدأ قصة الجزء المفقود في القرون الوسطى التي أطلق عليها “عصور الظلام الأوروبية” والتي كانت مابين 525-1500م. شهدت هذه الحقبة انتشار الحروب والجهل ومرض الطاعون وكثير من المآسي الاجتماعية في أوروبا.

وفي نفس الفترة الزمنية، في الطرف الآخر من الأرض، حيث الدولة العباسية في بغداد أُنشئت عصور العلم والمعرفة التي أطلق عليها “العصور الذهبية” التي استمرت حتى سنة 1257م.

تميزت هذه الحقبة بالعلم والعلماء المسلمين، وتأسست فيها مكتبة بغداد العظيمة على يد الخليفة العباسي هارون الرشيد، التي لم يقترب منها في العظمة إلا مكتبة قرطبة الإسلامية في الأندلس. وازدهرت المكتبة في عهد المأمون، واستمر العباسيون يضيفون على المكتبة حتى حوت ملايين المجلدات في زمن لاتوجد فيه آلة طباعة، حتى أصبحت دارا للنفائس والعلم تحتوي على عصارة الفكر الإنساني. ومازال العلم يُضاف إلى المكتبة حتى وصلت الجرثومة التتارية المهووسة بالغزو وتخريب الحضارات إلى بغداد في عصر الخليفة المستعصم، في زمن ظهرت فيه مظاهر الضعف والإنهيار على الدولة العباسية.

يحاصر التتار- هولاكو المغولي- بغداد من أربع جهات، ويرتكب أبشع الجرائم في حق الإنسانية والعلم. حيث يذكر المؤرخون أن جيشه تعرى من قيم الحرب واستهتر بالأرواح حد الفظاعة، قتل العلماء كقتل الشاة أمام ذويهم. وأخذوا يقتلون الأطفال والنساء وكبار السن حتى مُلئت الطرق والأزقة بالدماء ورائحة الموت والجثث. ولم ينجو من الموت إلا من اختبأ في بئر أو قناة.

بعد أن سرق الجيش المغولي كل ماهو ثمين، استهدف التتار وجيشه أعظم مكتبة على وجه الأرض في ذلك الوقت، التي حوت عصارة فكر المسلمين في أكثر من ستمائة عام. جمعت فيها كل العلوم والآداب والفنون وعلوم شرعية والطب والفلك والهندسة والكيمياء وغيرها الكثير من العلوم التي قضى فيها العلماء قرونا لإنجازها. أخذ هولاكو وجيشه ملايين الكتب القيمة وألقى بمجهود القرون الماضية في نهر دجلة، وتحول النهر للون الأسود من أثر مداد الكتب، وحدادا على بغداد والعلم الذي فُقد بسبب جهل وبربرية قائد مغولي جاوز الصواب والحكمة. أحرق هولاكو المكتبة بما فيها، واستمرت النار مشتعله فيها لليالي، ولك أن تتخيل حجم الخسارة الحضارية والعلمية التي لاقتها البشرية.

تكررت هذه الحادثة عبر التاريخ في مكتبة قرطبة في الأندلس وفي مكتبات طرابلس أحرقوا ثلاثة ملايين كتاب، ومرت الحادثة نفسها على مكتبتي غزة والقدس.

وفي القرن التاسع الميلادي دخل إلى العالم الإسلامي مستعمرون أوروبيون كانوا أكثر ذكاء من التتار والصليبيين، سرقوا الكتب العلمية التي قضى فيها العلماء جل حياتهم في كتابتها من بلاد المسلمين، وأخذوها إلى أوروبا وتمت ترجمتها والعلمل على تطويرها. كانت هذه الكتب نورا تضاء به أوروبا وتنهي عصورها الوسطى، وتنتقل من عصر الظلام إلى عصر النور والنهضة.

إن إيقان الغرب بقيمة العلم في الدين الإسلامي، وقيمة العقل الإسلامي إذا ارتبط بالعلم، يأخذهم إلى السعي لقطع أي اتصال علمي به حتى يتم إفراغه من كل ماهو قيم وثمين.

إن عصر مكتبة بغداد والأندلس قد انقضى، وانقضت معه الكتب الثمينة والترجمات الإغريقية والفارسية والهندية التي كانت في ذلك الوقت. ومازال هناك رمق نستطيع من خلاله إحياء روح العلم من جديد. السؤال الذي يدور في خلدي هو: هل نستطيع نحن في زمننا هذا بناء مكتبة ننير منها العالم بالمعرفة والعلم؟

يمتد لـ: من الصحراء إلى الفضاء

يمر بـ: عناق النجوم