ذكرت في مقال سابق أن المسلمين مروا بعصور ذهبية كانت بمثابة النور المضيء لهذا العالم، وبوصول التتار تم إطفاء هذا النور وتخريب ما تم إنجازه بسنوات. وقد غاب عن ذهن التتار أن المسلمين في العلم خضم لا ينضب.

هناك علماء مسلمون معاصرين، كرسوا حياتهم للعلم، واستسنوا قيمته، ودب حبهم للعلم في تجاليدهم، ومتحوا من العلم ما أنار عقولهم؛ فأصبحوا أعجوبة هذا الزمان في إثراء وإنتاج المعرفة. ابتعدوا عن الإعلام فلم تصلنا أسماؤهم، لكنها لاحت في سماء الإنجاز، وبريق ما صنعوه أضاء العالم بأسره.

في عام 1938م أبصر علي الدفاع نور شمس عنيزة، وترعرع ومضغ الشيح والقيسوم فيها؛ لتبدأ مسيرته براع للغنم ويتحول بعدها إلى ملهم علمي، ومؤرخ في تاريخ الرياضيات.

تبدأ مسيرته العلمية في جامعة ولاية أوستن الذي حصل فيها على شهادة البكالوريوس عام 1967م، وانتقل بعدها إلى إكمال علمه دون توقف ولا كلل، ولا ضجر ولا ملل، فحصل على شهادة الماجستير من جامعة تكساس عام 1968م . وحصل على الدكتوراه من جامعة فاندريبلت في الولايات المتحدة الأمريكية، ويعتبر الدكتور علي الدفاع من أوائل السعوديين المتخرجين في ذلك الوقت.

في عام 1974-1984م استلم رئاسة قسم علوم الرياضيات في كلية البترول والمعادن في جامعة الملك فهد. في عام 1980م تم ترقيته إلى أستاذ، فعمل كأستاذ زائر في جامعة الملك سعود الواقعة في الرياض وجامعة هارفارد في الولايات المتحدة. وقد عُين الدكتور علي الدفاع رئيسا للإتحاد العربي للرياضيات والفيزياء على فترتين ما بين 1979-1988م. وعمل أيضا في أكاديمية اللغة العربية في الأردن، وفي المجلس العلمي للمؤسسة الإسلامية للعلوم والتكنولوجيا والتنمية في جدة، ومجلس مركز الملك فيصل للدراسات الإسلامية والبحوث في الرياض.

عُرف عنه اهتمامه بعلم التكامل حيث لقب بملك التكامل. ويُذكر أن الملك سعود -رحمه الله- قال له مقولة أثرت في حياته العلمية: “أنا أعلم أنك أتقنت رعاية الغنم وأريدك أن تتقن رعاية العقول”.

أنجز الدكتور أكثر من 30 كتاب علمي منها 4 كتب باللغة الإنجليزية لا تقل أهمية عن مثيلتها، وله ما يزيد عن 250 مقالة نُشرت في مجلّات سعودية ودولية. إن من أهم مؤلفات الدكتور علي الدفاع: “إسهام علماء العرب والمسلمين في علم النبات”، و”إسهام علماء العرب والمسلمين في علم الصيدلة”، و”العلوم البحتة في الحضارة العربية”، و”رواد علم الطب في الحضارة الإسلامية”.

إن البروفيسور السعودي علي عبدالله الدفاع لم يتقن رعاية العقول فقط بل أتقن صناعتها، وصناعة الفرق أيضا. يجب أن يأخذ هذا العقل النادر حقه في التكريم والتعريف به. وإني محظوظ وفخور جدا لكوني معاصرا لهذا العقل المثمر الماتح من العلم الغزير، وموقن أن هناك عقول لمسلمين عرب لا تقل إبداعا ولا علما.

متصل بـ: بين الظلام والنور

يقترب من: من الصحراء إلى الفضاء