حين يشتد الصراع، لا يكون الخطر في كثرة الأعداء، بل في ضياع المرجع. في هذا المكان يتفكك الإنسان من الداخل قبل الخارج. وحين تتكاثر الأصوات، لا تكون المشكلة في اختلافها، بل في غياب الميزان الذي يُرجع كل شيء إلى موضعه الصحيح. ففي مثل هذه اللحظات، لا يبحث الإنسان عن شعار جديد، بل عن أصلٍ يعود إليه، وجذرٍ ثابتٍ يمنعه من الانزلاق.
وهنا يجدر بنا الوقوف عند حديثٍ عظيمٍ رواه مسلم في صحيحه عن ثوبان -رضي الله عنه،- مولى رسول الله “إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُوي لي منها، وأُعطيت الكنزين الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنةٍ عامةٍ، وأن لا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يامحمد، إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنةٍ عامةٍ، وأن لا أُسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم، يستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها -أو قال: من بين أقطارها - حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً، ويسبي بعضهم بعضا.”
وهذا الحديث فيه ثلاث عطايا كبرى أُعطيت لهذه الأمة، الأولى سعة الإمتداد، ففي قوله “إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُوي لي منها” ليس وعد هيمنة مجردة، بل قابلية حضارية، وهذا يعني أن الأمة مهيأة للانتشار إن استقامت على الجذر. والعطية الثانية هي عدم الهلاك العام، وهذا يعني عدم الهلاك الشامل، ولا انقراض جماعي. وهنا نعلم جيدا ان الأمة قد تضعف أو تنكسر، أو حتى تتشظى؛ لكنها لا تُستأصل. والعطية الثالثة هي عدم تسليط عدو خارجي يستبيحها كليا، وهنا العقدة الكبرى.
الحديث لا يقول أن الأمة لن تؤذى، بل يقول شيئا أعمق “ولو اجتمع عليهم من بأقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً، ويسبي بعضهم بعضا.” وهنا يتضح أن الخطر لا يبدأ من الخارج، بل يتسلل من الداخل عندما ينقسم الإنسان في نفسه، فينفك - جزئيا أو كليا - عن الجذر، وعندها لا يعود الصدام مجرد اختلاف، بل يُقولب ويحصر داخل انتماء ضيق، بينما التوحيد في أصله يحرر الإنسان من هذه الزاوية التي تغذي الاندفاع. ومع هذا الإنفصال يتحول الخلاف إلى صراع، ثم إلى اقتتال، ثم - الأخطر،- إلى تبرير أخلاقي. عند هذا المنعطف، لا يعود التشظي مجرد حالة سياسية أو اجتماعية، بل يصبح تشققًا في صف الجذر نفسه.
والحديث هنا واضح الدلالة على أن الأمة لن تُهزم من الخارج إلا إذا انهزمت من الداخل، وأنها لن تُستباح إلا إذا فرّطت في الجذر، ولن تنكسر إلا حين تحارب نفسها بنفسها. والميزان في هذا كله ليس عسكريًا فحسب، بل عقديٌّ ووعيويّ.
وهنا ندرك تماما أن هذا الحديث يعيدنا إلى حقيقةٍ جوهرية: أن التوحيد ليس رايةً تُرفع، بل نظام أمانٍ وجودي. فحين تُزاح المرجعية من التوحيد إلى الهوية، ويُستعاض عن الجذر بالملاذ، وعن الصبر بالاندفاع، وعن الحكمة بالشعبوية، هنا يتضح المعنى العميق لقوله صلى الله عليه وسلم: «ولو اجتمع عليهم من بأقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا»، إذ لا تتحقق الاستباحة بفعل العدو وحده، ولا تقع الفتنة من الداخل وحده، بل حين يُفقد المرجع الذي يمنع التقاء الضغط الخارجي مع الانقسام الداخلي.
وهذا ليس قضاءً ظالمًا، بل نتيجة طبيعية لانفِصال الإنسان عن مرجعيته العليا. وقد بين لنا الحديث نقطة دقيقة ومهمة؛ فهو لا يقول: الأمة ستنتصر حتمًا، ولا يقول: الأمة هالكة، بل يضع المصير في موضعٍ أدق: وعي الأمة بنفسها، لا عدد أعدائها. وهنا يكون موضع الوقوف الحقيقي، لا بسؤال: من سينتصر؟ بل بسؤالٍ أعمق: من أين يأتي الهلاك؟ والجواب النبوي واضح وصريح: «ليس من عدوٍ من سوى أنفسهم». وهذا ليس اتهامًا، بل تحريرٌ للمسؤولية؛ إذ ينقل الحديث مركز الفعل من الخارج إلى الداخل، ومن الآخر إلى الذات، ومن نظرية المؤامرة إلى المرجعية. وعند هذا الحد، لا يعود الحديث سيفًا يُشهر، بل مرآةً تُواجَه.
وهذا يأخذنا إلى قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي رواه الحاكم في المستدرك وصحّحه ووافقه الذهبي، ورواه غيره بألفاظ متقاربة:
«نحن قومٌ أعزّنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزّة في غيره أذلّنا الله».
وهذه ليست عبارةً عابرة، بل قاعدة حضارية كاملة، ولا تتحدث عن لحظةٍ تاريخية، بل عن آلية وجود. فالعرب قبل الإسلام كانوا قبائل متفرقة، وصراعات لا تنتهي، وشرفًا قبليًا بلا مشروع إنساني جامع. فجاء الإسلام لا ليجمعهم على عِرق، ولا على لغة، بل على العقيدة والمنهج والغاية؛ وهي الركائز الحقيقية التي تُبنى بها الحضارات.
عندها صار العربي والعجَمي، والأبيض والأسود، والغني والفقير، أمةً واحدة؛ لأن الهوية لم تعد تُختزل في الأرض وحدها، بل ارتبطت بمرجعٍ أعلى يضبط الانتماء ولا يُلغيه. فالأرض هنا لم تُنتزع من معناها، بل وُضعت في موضعها الصحيح: حاضنةً للإنسان لا بديلًا عن الجذر. فالانتماء للأرض فطرة إنسانية، والدفاع عنها مسؤولية أخلاقية، لكن الخلل يبدأ حين تتحول الأرض إلى مرجعية، وحين يُطلب منها أن تمنح المعنى أو تُحدد الحق. فالأرض تُسكن، وتُعمر، وتُصان، لكنها لا تصلح أن تكون ميزانًا أعلى من الجذر الذي يردّ كل شيء إلى موضعه. وهنا لا يُلغى الوطن، بل يُحرَّر من التقديس، ويُعاد إلى وظيفته الطبيعية: مجالًا للعيش لا بديلًا عن الأصل، وانتماءً يُضبط بالميزان لا يُستبدل به.
وهنا يتضح أن أي وحدة تقوم على اللغة أو الأرض أو التاريخ المشترك وحدها، تتحول مع الزمن إلى هويةٍ مغلقة تبحث عن ذاتها داخل ذاتها. وهنا نفهم أن التوحيد هو الذي يصنع الإنسان أولًا، ثم تُبنى الحضارة بعد ذلك؛ لأن الاندفاع خلف أي هوية براقة منزوعة الجذر، لا يُنتج إلا ذلًا حضاريًا متكررًا. وأن البحث عن العزة في غير الموضع الذي أعطى الله العزة فيه أول مرة ليس سوى وهم. فالثبات على الجذر هو الشجاعة الحقيقية، والتوحيد ليس شعارًا يُردَّد، بل نظام وجودي يعيد ترتيب الإنسان من داخله. ويبدأ هذا الترتيب حين ينتقل مركز القيادة من الداخل القلق إلى مرجعية ثابتة لا تتغير، وحينها يصبح الميزان واضحًا، والحياة أكثر اتساقًا. فالعزة هنا ليست بالكثرة، بل في الاستقامة على الأصل.
فالأُمم لا تُبعث من الفراغ، ولا تنهض بالضجيج، ولا تُصنع بالتحشيد، بل تظهر حين يُعاد تثبيت المحور الوجودي في القلب أولًا. فهي لا تقوم إلا حين يثبت الجذر، وتُستعاد البوصلة. ومن هذا الموضع نفهم أن التوحيد لا يُلغي الوطن، لكنه يضعه في موضعه الصحيح؛ فالوطن هو البيت الكبير الذي نحب أن يبقى آمناً وهادئًا.
موقف ممتد من: الإندفاع لا يعني الشجاعة
متجه نحو فصل جديد.