الحياة عبارة عن مدرسة، والتجربة خير معلمٍ فيها، وسيعنا الحثيث لأن نكون أفضل، ماهو إلا فطرة جُبلنا عليها، ولكن لماذا؟ هذا السؤال الأكثر تعقيدا على الإطلاق، لأنه يحتمل عدد مهول من الإجابات والتفسيرات، والتي عادة ما نقتنع بها، وغالبا ما نراها خارقة للعادة، او غير كافية لتمثيل اجابة مقنعة. جوابي على هذا السؤال دفعني إلى هنا، حيث لم أتخيل يوما أن اشارك خيباتي في كتاب، او ان اكتب عن الخسارات التي اعترضت طريقي حتى ظننت انها النهاية، ثم استأنفت حياتي من جديد. الحقيقة التي غفلت عنها خلال رحلتي المليئة بالاخفاقات ان الخيبات كانت دروس متنكرة وقاسية جدا، اما البيئات المختلفة والمحيطون بي جماعا كانوا عبارة عن اختبارات حتى اصل الى ما انا عليه الآن. ذكر د.غازي القصيبي - رحمه الله - في أحد محاضراته عن الرئيس جون كندي عندما سُئل عما حدث في “غزو خليج الخنازير” أنه قال “الإنتصار له ألف والد، اما الهزيمة فطفل يتيم” السؤال الذي يبحث عن اجابة (لماذا نفشل؟) بدلا من الاجابة بشكل تقليدي وبعيدا عن الاجابة بشكل سطحي وعام، اود ان اغوص في خفايا هذا السؤال، وشعوري تجاه هذا غريب ومختلط. هناك حكمة مخفية خلف هذا الشعور تؤثر على تفكيرنا وطريقة تحليل الأمور وتسمح لأدمغتنا للعبور نحو مسارات مختلفة من التفكير. قرأت لألبرتو مانغويل في كتابه “الفضول” عبارة اعجبتني عندما تكلم عن القراءة والكتابة، قال ” فأن تؤلف كتابا، يعني ان تسلم نفسك للفشل، لكن هذا الفشل قد يكون فشلا مشرفا” وانا الآن اسلم نفسي الى الفشل وقد سبق لي ان اعترفت بفشلي حتى قضى علي… احاول دائما أن أجد لأاسئلتي جواب يليق بها ويقنعني، ولحسن حظي أجد جوابا ولكن غير مقنع، حتى وصلت بالتفكير الى محاولة ايجاد سبب يفسرلي فشلي الازلي غير المتغير، وكانت المفاجأة قائمة بالاسباب المتوقعة التي بدأت بالعمل عليها بشكل مباشر، ظنا مني ان مع الوصول الى منبع هذه الاسباب اكون قد قضيت على هذه الهزائم وبدأت في رحلة النجاح. وبدأت في البحث والتقصي والتعلم حول الاساليب والطرق وتطبيقها وسرعان ما اجد نفسي من شخص يبحث عن سبب فشله، الى شخص تائه فاقد الاتجاه الصحيح وفاشل فعلا. اعترف اني عجزت عن حل هذه المعظلة الازلية التي ترافقني دائما في جميع اعمالي ومحاولاتي، حتى على الصعيد الوظيفي، كنت شخص لا يمكنه الفوز ابدا. اعلم تماما ان البشر في هذه الحياة عبارة عن عدة اصناف، وحتى يبقى الاتزان، يفصل بينهم صنف محايد يسمى “اشخاص عاديون - جدا -”، في بداية مسيرتي لم اكن أؤمن بوجود الأشخاص الفاشلين والناجحين، واعتقدت ان الفاشل عبارة عن شخص لا يجيد عمله فقط، حتى وصلت الى قناعة، ان الفاشل شخص كادح ايضا لكنه فاشل بالمعيار التقييمي المجتمعي المتغير. كأن اكون كاتب في زمن السرعة والتطور والذكاء الاصطناعي، ليس كما ان اكون نفس هذا الشخص في العصر العباسي، فقد تختلف الامور رأسا على عقب بمعنى الكلمة. لا يهم … فما يهم هو اني عندما بدأت كتابة اول سطر من هذا الكتاب، كنت في قمة اليأس والفشل والحيرة، ورغم قراءتي في كتب النجاح واساليبه، فلم اخرج منها الا بقناعة واحدة فقط، اغلبها من وحي الخيال - لأن نظرية الجمع دائما خطأ- حتى كتابي رسائل أمل لم أعد أؤمن بما دونته فيه - بغض النظر عن بعض النصوص -، أما النصف الآخر فهو عبارة عن كتب بديهية وسطحية. خلال تدويني لهذا الكتاب قررت أن أتطرق لأمور تختلف عن ما دونته كله في جميع كتاباتي، فقد اخذت على عاتقي دراسة سبب فشلي الذريع في تحقيق حلمي الكبير، والذي سوف اشرحه بالتفصيل في هذا الكتاب، واحاول الاجابة على التساؤلات البديهية لكل الامور في حياتنا - ان صح التعبير- كيف ومتى ولماذا، الأسئلة الفلسفية التي تفتح مجال امام كل المواضيع، وتكون مساحة شاسعة امام كل الافكار حتى تتوسع وتتشعب. واول سؤال سابدأ بالاجابة عنه هو متى؟ متى بدأت رحلتي في الصراع؟ ومن اجل ماذا كنت اصارع؟ لحظة … ماهو حلمي الكبير الذي عجزت عن تحقيقه؟ جميع الاحلام - بغض النظر عن حجمها- مازالت عبارة عن سراب لا وجود لها في الواقع. وجميع كلام التشجيع والسعي رغم الظروف يعتبر من المثاليات، وعبارة “لا مستحيل” عبارة مبتذلة وشكلية لا تمد للواقع بصله. … اعود بعد مدة الى سطوري هذه لاسيعابها من جديد، بعد ما مررت به و تجاوزي لعمر الثلاثين، اقف عاجزا عن اضافة سطر جديد على هذه السطور، واعود الى سؤال البداية، متى بدأ الصراع؟ والجواب العام هو عندما بدأت اعي الحياة، لكن هناك جواب تفصيلي يكمن في لب الفكرة. لماذا سألت نفسي هذا السؤال؟ وماذا انتظر من نفسي ان اجيب؟ هل هناك جزء مفقود لم اصل له بعد؟ ام ان الجواب على سؤال البداية يكمن في توقيت اول خطوة نحو الهدف الذي اعيش لاجله! يبدأ الصراع الحقيقي عندما تشكل نظرة واعية مبنية على ادراك لما حولك ويتشكل هذا الادراك من المدخلات التي يعالجها الدماغ من المعطيات التي توفرها الحواس، وقد تختلف طريقة المعالجة رغم تشابه المدخلات، وهنا يكمن المنطق الذي ينطلق منه الانسان نحو تشكيل وعيه الذي يسمح له بالتطور التراكمي من خلال تراكم الذاكرة، والتي تشكل الخبرات بدورها، وهنا تسقل المفاهيم الانسانية حول الانسان نفسه اولا ثم نحو المحيط وهذا يؤثر على الغاية ويضع حدود الوسيلة في اغلب الاحيان، لماذا اغلب الاحيان؟ لان غياب الحدود يشوه ويخلط الغاية الحقيقية بالوسيلة ويبدل الادوار؛ لتصبح الوسيلة غاية رئيسية، وتشكل المنطق الفكري الذي يحرك الفرد نحو الامام باتجاهه. واذا ما صار هذا المنطق جاهزا ومدعم بالادلة التي تسمح للدماغ بالعمل به ويصبح استشفافه امر لا ارادي؛ ليتحول المجتمع من متزن الى مجتمع مختل لا يستطيع ان يميز بين ما يجب وماهو ضروري، وانتباهنا الى هذين المفهومين امر في غاية الاهمية، فالضرورة غبارة عن امر ثابت يحدد ما يجب، وما يجب ماهو الا مطلق ياخذنا الى الثابت، بمعنى اخر: الثابت يأتي معك والمطلق تذهب اليه. إن ما اود ان اركز عليه هنا ان الهدف هو الضرورة التي تأتي معك عند كل طبقة من الوعي يتم بناؤها، والصراع هو المطلق الذي تذهب اليه - وما ان يصبح المنطق الجمعي متشابها، يصبح من الصعب على الفرد كسره بمنطق مختلف، والسؤال هنا: هل انا احاول كسر الحلقة التي تشكل فينا الوعي الجمعي؟ والجواب هو اني احاول - كنت ومازلت - ترشيد هذه الدائرة وتوسيعها لتكون اكثر وعيا ومفاهيميا، تمهيدا للجزء الأكبر من الخطة وهي تكوين طبقة جديدة من السلوك الانساني ياخذنا الى فصل جديد من كل شيء واولها العلم؛ لكن المهمة دائما تواجه تحديا اصعب لان الانسان كائن دائم التطور فكريا ومنطقيا، والدخول الى هذه العملية العميقة امر في غاية الصعوبة، لكنه ليس مستحيلا.