لا يكون الشموخ كثيرًا في الناس، لكنه إذا ظهر… عُرف. ليس لأنه يُعلن نفسه، ولا لأنه يحتاج إلى من يصفه، بل لأن حضوره مختلف. وهذا دفعني إلى التفكير والبحث حول معنى الشموخ في لسان العرب، لأجد أنه ليس مجرد ارتفاع، بل ثبات مقرون بالارتفاع. لذلك كان العرب يفرقون بين “عال” و”شامخ”، فالأول ارتفاع قد يزول، أما الثاني فقد وُصف به الجبال، والقمم، والنخيل، والدقيق هنا أنهم لم يصفوا به كل مرتفع، لأن الارتفاع وحده لا يكفي. وهنا بالضبط يظهر الفرق، حيث أن الشموخ ليس لحظة بل حالة مستمرة.**
ومن هنا تعود بنا الفكرة لتوضح أن الصحراء هي مدرسة الأصل، لأنها تعلم القيم الكبرى، وحين يلتقي الأصل بالميزان، يخرج إنسان لا يحتاج تفاصيل كثيرة ليبدأ، لأن التفاصيل تبدأ بالنمو من نفسها. وهنا ندرك: أن الصحراء لا تُعلم كيف تفعل كل شيء فقط، بل تجبرك على أن تفهم الصبر، والقلة، والاعتماد على الأصل، ووضوح الاتجاه، لأن فيها: إما أن تكون واضحا أو تضيع. ولهذا فهي لا تصنع مهارات كثيرة بل تصنع قيم عميقة قليلة.
لكن القيم وحدها لا تكفي، لأنها قد تنحرف، أو تُفسر حسب الهوى أو تُستخدم في غير موضعها، وهنا يأتي الوحي ليعيد ترتيبها على الميزان الصحيح، فيجعل الشجاعة في موضعها، والرحمة في موضعها، والقوة أيضا في موضعها. ومن هذا الوضوح في الأصل وهذا الضبط يتجلى الشموخ، لأنه لا يُقلَّد، ولا يُختصر في كلمات. لكنه إذا كان صادقًا يُرى. فتتحول الفكرة من وصف إلى مدرسة تُخرج شخصيات، تحمل نفس الجذر، وتبني بنفس الثبات، وتحضر دون حاجة إلى إثبات. وما يُرى هنا ليس مهارة أو إدارة فقط، بل أصل واضح + ضبط صحيح. ومن هذا خرجت قرارات، ونشأت مدرسة، وتكرر النمط.
**والشموخ هنا لا يُقاس بالصوت، ولا بالظهور، ولا بكثرة ما يُقال، بل موقف لا يتغير مع تغير الظروف، وثبات في الداخل، ووضوح في الاتجاه، وقدرة على الوقوف حين يضطرب كل شيء. وهنا ندرك جيدا أن “شامخ مثل زايد” لم تعد مقارنة، بل استمرار. وهذا يبين لماذا لا يكون الشموخ كثيرًا، والجواب ببساطة عميقة: لأنه ليس صفة تُقال، بل حالة تُعاش. وليس كل من أرادها بلغها، ولا كل من بلغها تحدّث عنها. وحين نقول: شامخ مثل زايد، فنحن لا نصف شخصًا، بل نشير إلى معنى لثبات لا يتغير، وبناء لا يتوقف، وحضور لا يحتاج إلى إثبات. وهذا ما يجعل بعض الأسماء، لا تحتاج إلى شرح، بل تكفي الإشارة إليها فتُفهم.
ختام سردية معينة مرت بـ: هكذا تُبنى الحضارات